وكذلك الشاعر القروي مخاطباً أحد أبناء عرمان المغتربين في "بوينس ايرس"
في حفل خصص ريعه للثوار الذين ارتحلوا وعائلاتهم إلى وادي السرحان في الجزيرة العربية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي متوجهاً إلى سلمان البكفاني الملقب بــ " الجندي المتطوع" صاحب اليد الطولى في التبرعات :
لمن المآدب حــولها الأضياف.... وعلام هذا البذخ والإسرافُ
"سلمانُ" قم وافتح جرابك للندى.... فعلى يديك يُقدّمً الإسعافُ
وها هو الأستاذ "عز الدين التنوخي" الذي عمل مديراً للمعارف في السويداء في بداية
الأربعينيات من القرن العشرين ومن ثم مديراً للمعارف في دمشق ورئيساً للمجمع العلمي العربي وأستاذاً جامعياً أيضاً , إذْ عايش أهل السويداء وخبرهم عن قرب
برجولتهم وشجاعتهم وحميتهم ووطنيتهم أيضاً ,فأثناء قيام المستعمر الفرنسي
بالاعتداء على دمشق وقصفها وقصف البرلمان عام 1945 , دخل الأستاذ التنوخي
إلى جامع بني أمية ووجد العديد من أعيان دمشق فيه , فقام إلى المنبر وارتجل خطبة وقصيدة ذكر فيها عرمان ونقتطف منها هذه الأبيات :
يا معشر الإفرنج قوموا ترحّلوا.... قومي " الدروزُ" تكفلوا الترحيلا
سيجيئكم "سلطانُ" يفني جمعكم.... ويريكـــمُ يـــومَ الحساب ثقيلا
وتجيئكم " عرمانُ " تتركُ فيكمُ .....تلك المغــاني الآهلاتٍ طلولا
أما في حقبة الاستعمار الفرنسي فكان لعرمان الدور الكبير والمميز في معاركها وبطولاتها فمنها وفي ميدانها تحديداً أصبحت الثورة السورية الكبرى أمراً واقعاً , وانطلق الثوار منها أيضاً لحرق مقر البعثة الفرنسية في صلخد إيذاناً بإعلانها , ومنها أسقطت أول طائرة فرنسية في الثورة ( ببندقية مهنا الزغير ) , وبعد ذلك بقليل كانت إبادة حملة "نورمان" في معركة الكفر وبشكل صاعق وسريع أذهل الفرنسيين والمراقبين , ودشن أهل الجبل وفي طليعتهم أهالي عرمان مذهباً في القتال والبسالة والهجوم الصاعق لم يكن معروفاً في تاريخ الحروب في ظل عدم التكافؤ في السلاح والعدد بين المنتصر قليل العدة والعدد , والمهزوم كثيرها , رغم تمترس المدافعين وزيادة عددهم عن المهاجمين وتفوق سلاح المدافعين بما لايقاس , ورغم كل ذلك ينعقد النصر المؤزر للمهاجمين بإبادة المتحصنين عن بكرة أبيهم بهجوم صاعق وباسل وبدقائق معدودات .
هذا الصنف من " الأعداء" لم يكن يتخيله جنرالات الجيش الفرنسي الذي خرج منتصراً في الحرب العالمية الأولى كأكفأ جيش بري بعد الحرب , فلم تكن خططه الحربية وفلسفته القتالية تتخيل هذا الشكل من الأعداء, أوهذا النوع من المحاربين , ولم تكن معايير موازين القوى واعتبارات التفوق , تعرف مثل هذه المزايا التي يمكن أن يتمتع بها الخصم , أو أن يكون هناك أعداء يستطيعون بالميزات الشخصية والجمعية الفريدة أن يلغوا كل عناصر التفوق بالسلاح والتدريب والتنظيم والانضباط العسكري و القتالي ..! فلم يكن بالحسبان توقع أعداء يستطيعون إلغاء كل اعتبارات موازين القوى ومعاييرها السائدة , ببسالة خارقة في القتال . هذا النوع من الرجال كا ن استثنائياً بكل ما لهذه الكلمة من معنى , كما سيثبت ذلك التاريخ اللاحق والقريب في معارك الثورة السورية الكبرى التالية المظفرة أيضاً رغم صفتها الانتقامية والإعداد الجيد لها , وقدكان لبيرق عرمان ولرجالاتها الدور المميز في معظم معارك الثورة تقريباً والبالغة أربعاً وأربعين معركة .
وكان لأهلها أيضاً نصيب , ككل أبناء هذا الجبل المكافح , في سلوك طريق المنافي وسكنى الصحراء ومكابدة الجوع والعطش وشظف العيش , وكل ما قيل لايعبر عن حجم تلك المعاناة التي دامت حوالي اثني عشر عاماً , كابدها النساء والأطفال , إضافة للرجال , من الأزرق في شرقي الأردن إلى وادي السرحان في الجزيرة العربية , وقد صور هذه المعاناة شعراء كثر أشهرهم الأمير عادل ارسلان :
طال انتظاري للنهار الصبيح.... ماذا على الأجساد لو تستريحْ
كـــل رغيف حولـه تسعة..... كأنمـا صلّى عليه المسيحْ
والشاعر القروي في قصيدة رائعة منها :
أيهـــا المُبعد المزوّد عزٍّاً.... أيـــن للمترفين فضلــة زادكْ
كل ما في اقلامنا مـــن مضاء.... مستمدٌ من مـرهفات حـدادكْ
كل سبق في شعرنا وانتصار.....ِ هو من ملهمات خيل طرادكْ
كل ما في صدورنا من لهيب..... هو إضرام وربة مـــن زنادكْ
كل ما في هتافنا مـــــن دوي..... هو ترجيع نبضة مـــن فؤادكْ
كل ما في آثارنا مـــن خلود ..... هو تاريخ ساعة مــن جهادكْ
كل أمجادنا بناتك يا مــن..... قد أضفت المنفى إلى أمجادكْ
أيهــا المنجدُ المحاويج عارٌ..... أن تُصم الأسماع عن إنجادكْ
لو فرشنا لك الجفون مهـاداً..... وجعلنا الأهداب حشو وسادكْ
ما جزيناك ساعة من ليال..... بتٍّ عنا على حراب سهادكْ
كل حرِ فداك يا فادي الشام..... وأولاده فـــدى أولادكْ
وبعد عودة المبعدين عن الوطن وتوقف الأعمال الحربية والوعد بالاستقلال , مارس
المستعمر سياسة الإذلال عبر السخرة لتسوية الطرقات وقنوات الماء والقضاء على الجراد مثلاً وغير ذلك من الأعمال , وكان ممثل فرنسا في عرمان المدعو ( م . م ) رجلاً صلفاً وقاسياً ومتسلطاً أساء للعديد من رجال الدين وكبار السن وقد تصدى له
( أمين صيموعة) بعد أن وجه كلاماً نابياً لوالده , فأعمل به ضرباً بعد أن أسقطه أرضاً وقام بسحبه من رجليه حتى الساحة العامة وأشبعه دوساً بالأرجل وعلى الملأ , حيث تدخل العديد من رجالات المنطقة منهم أسعد العيد لدى ممثل فرنسا في صلخد للعفو
عنه . وكان لعرمان دور مميز بعد الاستقلال وفي العهد الوطني , وكان أبناؤها في طليعة المنادين بالقومية والوحدة , والملبين الأوائل للدعوة للأمة الواحدة , وكانوا كما قال أحد رؤساء الدولة السابقين "قلعة البعث" هذا في بداية ما يسمى "مرحلة الصعود القومي" .. كل ذلك كان بالطبع , قبل أن يفتك الأخوة والرفاق بعضهم ببعض , وقبل أن تأكل الثورة أبناءها كما يقال .. حيث تغير الكثير على ساحات العمل العام وحصل ما حصل بين ورثة الاستقلال الذين استبدت بهم الانقسامات , وفتكت بمسيرتهم الأيديولوجيات المتعارضة , وتعمقت الانشقاقات وفي نسيج مجتمعهم عموماً , وتغيرت صورته واضمحلت عرى التماسك بين بنيه , وقد رصد الشاعر عيسى عصفور هذا التغير بالقول :
لهف نفسي على مناقب قومي..... كيف بُدلن بالخنا والفجورٍ
أو كما قال العميد نايف العطواني :
اسقالله على ايام الطفولة والحفا..... كنا نحافظ عالصداقة والـوفا
وكنا نعاشر بعضنا بود وصفا..... وما كان فينا ناس تطعن بالقفا
زلة بسيطة اليوم تاخذ عالهفا..... وما عاد تعرف مين عدو ومين صديق
ويوم حاول البعض أن يغمط حق عرمان ويعتم على دورها , أرسل
نايف العطواني قصيدة إلى زيد الأطرش مداعباً ومذكراً نقتطف منها:
يا زيد كنـا بأول الخيل نتلاك..... يوم الحرايب خافقات بنوده
يـوم جزيتم مجدل الشور شفناك..... تنخي الربوع وراية البعض سوده
عرمان ثارت يوم سمعت بطرياك..... علقت نخــــــــــاويها وقبت رعوده
وإن طار قصك والتزاويق والداك..... خرفيش ما ينطيــك باللعب فـــــوده
ومع الإقرار أن ما أوردته ليس إلا غيضاً من فيض من تاريخ حافل , ومع الاعتذار إن كان هناك من إغفال أو تقصير , ليس مبعثه إلا السهو وندرة المعلومات بقي أن أقول :
رغم الاعتزاز بالانتماء للوطن الكبير وللعروبة الجامعة بمعانيها السامية , شرف للمرء أن يكون من أبناء هذه القرية " عرمان " ويحمل اسمها ويعيش على ترابها وبين أهلها أو يحل ضيفاً عليهم , أو حتى يموت بينهم ..! وإن لم يبح له أحد أبنائها بشيِ عن ماضيها , فسيجد عند كل منعطف أمثولة . وفي كل ركن مأثرة . وسيتزود ببوح المكان الذي ينطق بالكبرياء والبطولة والنخوة والوطنية , لأنه كما قيل : إن من لا يحب بيته , لا يمكن له أن يحب وطنه وأمته .
عرمان .. ليل 26 / 9 / 2009
المحامي
متروك صيموعة